صديق الحسيني القنوجي البخاري
560
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم لم يكتف عدو اللّه بهذا بل جاوزه إلى غيره فقال لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] على شاطىء نيل مصر أي أجعلكم عليها مصلوبين زيادة تنكل بهم وإفراطا في تعذيبهم . قال ابن عباس : أول من صلب فرعون ، وجئ هنا ثم وفي السورتين ولأصلبنكم بالواو لأن الواو صالحة للمهلة فلا تنافي بين الآيات أَجْمَعِينَ تأكيد أتى به دون كل وإن كان الأكثر سبقه بكل ، وجاء بجملة قسمية تأكيدا لما يفعله يقال صلبه يصلبه ويصلبه وهما لغتان في المضارع . قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي إنك وإن فعلت بنا هذا الفعل فبعده يوم الجزاء سيجازيك اللّه بصنعك ويحسن إلينا بما أصابنا في ذاته ، فتوعدوه بعذاب اللّه في الآخرة لما توعدهم بعذاب الدنيا ، ويحتمل أن يكون المعنى إنا إليه لمنقلبون بالموت أي لا بد لنا من الموت ، ولا يضرنا كونه بسبب منك . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 126 إلى 127 ] وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ( 127 ) وَما تَنْقِمُ بكسر القاف وقرىء بفتحها ، قال الأخفش هي لغة يقال نقمت الأمر أنكرته أي لست تعيب علينا وتنكر مِنَّا قال عطاء أي ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه ، وقيل ما تكره منا وما تطعن علينا وتقدح فينا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا مع أن هذا هو الشرف العظيم والخير الكامل ، وأصل المفاخر ، ومثله لا يكون موضعا للعيب ومكانا للإنكار . بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ فلا نعدل عنه أصلا طلبا لمرضاتك ، والاستثناء مفرغ . ثم تركوا خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العليّ مفوضين الأمر إليه طالبين منه عز وجل أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر قائلين رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً الإفراغ الصب أي أصببه كاملا تاما حتى يفيض علينا ويغمرنا ، ولهذا أتى بلفظ التكثير يعني صبرا وأي صبر عظيم يصب صبا ذريعا كما يفرغ الماء فراغا ، طلبوا أبلغ أنواع الصبر استعدادا منهم لما سينزل بهم من العذاب من عدو اللّه وتوطينا لأنفسهم على التصلب في الحق وثبوت القدم على الإيمان . ثم قالوا وَتَوَفَّنا إليك مُسْلِمِينَ أي ثابتين على الإسلام غير محرفين ولا مبدلين ولا مفتونين بالوعيد . ولقد كان ما هم عليه من السحر والمهارة في علمه مع كونه شرا محضا سببا للفوز بالسعادة لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج